واصف جوهرية

127

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

على إختلاف مذاهبه عظيما وكان فيها قسما ليليا أيضا واللغات التي كانت تدرس فيها العربية والتركية ثم الإنكليزية والفرنسية . وعلى أثر تركي وتوفيق مدرسة الدباغة للألمان بالصورة المحزنة كما بينتها للقاري في كتابي هذا أدخل والدي أخي توفيق مدرسة الروم الليلية في يافا ولكن مع الأسف هرب ورجع القدس مما اضطر لوالدي بأن يسيره في الصنعة وترك عمله . أما أنا بعد ما قضيت مدة طويلة كنت فيها أرافق والدي في أعماله خصوصا في خربة دير عمرو نجحت والحمد للّه بواسطة المرحوم حسين أفندي الحسيني بعد ما تعين رئيسا لبلدية القدس فأدخلني تلميذا في هذه المدرسة في القسم الخارجي وساعدني الحظ بهذه الموفقية الكبرى لما كسبته من علم لا بأس بها حتى تمكنت من تأمين المستقبل . وإني قبل أن أبدأ في الشرح عن هذه المدرسة أحب أن ألفت نظر القارئ إلى ما لاقيته في الأيام الأولى من دخولي المدرسة فكانت التلاميذ وحتى المعلمين ينظرون لي نظرات خاطفة وابتسامة استهزاء كنت أسائل نفسي عن هذا الاستقبال الشاذ إلى أن فهمت السبب وهو : أرجو القاري الاطلاع على ما دونته في هذا الكتاب تحت موضوع عرس جريس الدباح ففي احتفال العرس المذكور وحبي إلى فن الموسيقى الرفيع تحمست وأنضميت مع فرقة أولاد أبو السباع آنذاك وغنيت للجمهور بأعلى صوتي في الشارع وكان مروري عن هذه المدرسة التي خرجت بأكملها معلمينها وتلامذتها وعمالها يتفرجون على احتفال العرس ويستمعون إلى غنائي ، ومنذ هذا الاحتفال بالعرس أخذوا فكره واعتقدوا بأنني كنت أحد محترفي الغناء مع فرقة أبو السباع ولما كان الغناء والعزف على العود خصوصا بالإيجار مبتذلا لدى أكثر الأهالي في ذلك الزمن سبب عملي هذا سوء الفهم عند من صوت هذه المدرسة وأصبحوا كلهم وعيونهم تلومني على ما فعلته من إجرام مع أن الحقيقة كما هو بينت سابقا كان غنائي كما يقولون للّه في للّه لا إيجار ولا ما يحزنون ، إنما حبا للفن ليس إلا . وبقيت مدة حتى زال هذا الجفا وأصبحت تلميذا طبيعيا بالمساواة ، فتأمل ! ! وكان المحامي لي في هذا الموضوع الحساس هو الأستاذ السكاكيني لأنه على ما قد تبين لي بعد فترة بأنه يعشق الموسيقى ويتفاني في حبها وتقديرها وكان بالفعل يعزف لنا وللتلاميذ على الكمان فشكرت الباري على حسن حظي ووجدت بأن المدير يشاركني ميلي . أما المعلمين فكانوا خليل السكاكيني ، إفتيم مشبك ، جميل الخالدي ، ومرات علي جار اللّه . ثم الحاج شريف الحسيني ، المسيو جدعون ، حنا زخريا ، أديب عبده ، المعلمة لبيبة أحيانا وأما الآنسة إميليا السكاكيني كانت مختصة لبستان الأطفال تحت مناظرة السيدة سلطانه عقيلة الأستاذ السكاكيني . كان الأستاذ السكاكيني يعلمنا اللغة العربية بأسلوب محبوب جدا للتلاميذ وهذه الطريقة قلما تجدها لدى غير أساتذة في الشرق على ما أعلم فكان يكره أن يتعلم التلميذ القواعد على ظهر القلب كما كانت العادة عند أغلب المعلمين بل